23 نوفمبر 2010

شمس تستيقظ من بين بقايا الغيوم، هواء بارد يصفع خد طفل بطريقه إلى المدرسة، قرقعة مفاتيح بيد رجل كهل يفتح دكانه ذلك الصباح، منقار حمامة يعكر صفو بركة ماء صغيرة مشكلا بذلك موجات متتابعة لدوائر متناسقة... تنطلق بعدها الحمامة نحو شباك يكسوه زجاج ملون، تقف هنيهة عند مساحة ضيقة من الزجاج منتظرةً قوت يومها - بضع فتات من خبز جاف - فإن طال انتظارها نقرت الزجاج بمنقارها محاولة إيقاظه... هو يتململ في فراشه... تعاود النقر مع تحريك رأسها يمنة ويسرى... هو يتململ من جديد... فيزداد نقرها... يحرك أصابع قدميه... يستيقظ... يفتح عينيه بصعوبة... تعاكسه أشعة شمس ملونة بألوان تلك النافذة... بقعة صفراء وأخرى خضراء تقابلها بقعة حمراء... ألوان تشكل من وجهه لوحة بائسة تبحث عن دفء صيف في شتاء قارص... على الطرف الآخر ما زالت الحمامة تسترسل في النقر لكن بوقع أكثر حماسا... أما هو فيقاوم لإرسال أولى قدميه نحو الأرض... يتلمس طريقه بأطراف أصابعه ... يستشعر برودة البلاط ... برودة لا تثنيه عن النهوض أبدا.
يتجه نحو مطبخه، يبحث في بقايا أمسه عن لب خبز فرنسي... يجده جافا في إناء خصصه لهذه الغاية... ينطلق به نحو لوحة الزجاج الملون... يبحث عنها فلا يجدها... يفتح النافذة ويمد رأسه خارجا ليعود مسرعا فقد سرت قشعريرة البرد في جسده... يضع الخبز على حافة النافذة ومن ثم يغلقها وينتظر... تمتم قائلا: لحظات وتعود... ثم يبتسم، يجلس على حافة سريره واثقا من عودتها فقد ألِف ذلك النمط من الحياة، يوميا يستيقظ على نقرها... يستفزها بكسله وعندما ينتشي بإلحاحها ينهض متباطئاً وعندما يعود لا يجدها... فيبتسم وينتظرها... وما هي إلا لحظات وتعود.
استيقظ من مفردات ذاكرته على وقع خفض جناحيها... ابتهج بنصره واكتفى بالابتسام... أحيانا عندما يطول به الانتظار ويساوره الشك بعودتها يضيف لابتسامته انحناءة بسيطة ويهمس: "عادت !" مؤكدا على ظفره بها مرة أخرى، فكر وهو يعدل جلسته ليراقبها من خلف زجاجه الملون "اليوم لم يطل غيابها وها هي قد عادت من جديد ربما الابتسام يكفي في هذه الحالة... نعم لا بد أنه يكفي ! " صرف ذهنه عن سخافة ما يفكر وعاد ليتأمل مفردات الظل - ظل الحمامة – استطرد مفكرا " كيف للظلال أن تظهر الأمور أكبر مما تبدوا عليها في الحقيقة ! منقار كبير ... جناحين كبيرين... رأس كبير... ذيل أكبر وأكبر ... بالكاد أصدق أن هذا الظل ظل حمامة ! " وأخذ يكررها ... ظل حمامة... ظل حمامة... ظل حمامة !! ... كان يفكر عندها أنه عاش ردحا من العمر يراقب تلك الظلال لكنه لم يرَ يوما الحقيقة مجردة بتفاصيلها... لم يمسح ضباب الشتاء عن نافذته الملونة ولم يزل غشاوة الألوان وزيفها... اكتفى بتصديق الظل وآمن بما فرضته الهواجس من خيال... عندها بدت إلى ذهنه فكرة أقرب ما تكون إلى الجنون فنطق لسانه بما كان يعتمل الذهن من تفكير... بل صرخ "ولمَ لا !!! " هرع نحو نافذة غرفته... أزاح الزجاج من فوره فراعه هول ما رأى... شخصت عيناه على كثافة ريش أسود وجناحين بحجم كذبة كبيرة... ليتقهقر عائدا إلى مهد تكهناته... مصدوما بذاته ... فقد عاش سنين عمره سرابا في ظل الحياة، واليوم عاش على أن الغراب ظل حمامة !
رخصة النشر (Syndication)
04/12/2010 على الساعة 16.49:15
من طرف ahmad abu zant
هاي الصور كتير حلوين والموقع كمان
23/04/2010 على الساعة 20.36:50
من طرف زينة